النصر يستهل الدفاع عن اللقب بثلاثية أنيقة... ورونالدو يكتفي بالمشاهدة

بقلم: د. طلال عثمان 

في مدرجات "الأول بارك"، جلس كريستيانو رونالدو بملابسه المدنية، ذراعاه مطويتان، وعيناه تتابعان زملاءه وهم يفعلون بالضبط ما كان يُنتظر منه أن يقوده: افتتاح موسم الدفاع عن اللقب بانتصار لا يحتمل التأويل. فريقه فاز 3-0. هو لم يلمس الكرة مرة واحدة. وكانت تلك، ربما، أصدق مفارقات مساء السبت في الرياض: أن يبدأ النصر حقبة ما بعد الحلم الفردي بفوز جماعي خالص، بينما يراقب أعظم هدّاف في تاريخ اللعبة المشهد من على الكرسي، لا من داخل المستطيل الأخضر.

الحكاية بسيطة في ظاهرها: النصر يستقبل الفتح في الجولة الأولى من دوري روشن للمحترفين، ويخرج بفوز عريض 3-0. لكن من يعرف كيف تُكتب قصص الأندية الكبرى يدرك أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الحكاية الحقيقية. غاب رونالدو، قائد الفريق وصانع أسطورته الحديثة، ليس بسبب إصابة أو عقوبة، بل لأنه ببساطة وصل متأخرًا إلى معسكر الإعداد، مثقلًا بأميال كأس العالم التي خاضها مع منتخب بلاده قبل أسابيع قليلة. جسده لم يكن جاهزًا بعد لإيقاع الموسم، فاختار المدرب أن يمنحه مزيدًا من الوقت، وأن يمنح الفريق فرصة ليثبت أنه أكثر من مجرد منظومة تدور حول نجم واحد.

وأثبت الفريق ذلك، بل بالغ في الإثبات. الدقيقة 37 كانت كافية ليكسر البرازيلي أنجيلو غابرييل الجمود بتسديدة يسرى دخلت من الزاوية القريبة، في لحظة كشفت أن جيل الشباب الذي جلبته إدارة النصر في السنوات الأخيرة لم يعد يكتفي بدور المتفرج بجوار النجوم الكبار. لم تمر ثلاث دقائق أخرى إلا وأضاف البرتغالي جواو فيليكس الهدف الثاني، في لمسة فنية ذكّرت الحضور بأن النصر لم يعد يعتمد على اسم واحد لصناعة الفارق، بل على منظومة هجومية متعددة الأوجه، أوروبية اللمسة، أمريكية جنوبية الإيقاع.

ثم جاء الهدف الثالث في الدقيقة 73 على يد سامو كوستا، ليضع بصمته الشخصية على مباراة بدت أقرب إلى بيان نوايا منها إلى مجرد لقاء افتتاحي. ثلاثة أهداف، ثلاث جنسيات مختلفة، وصفر أخطاء دفاعية تُذكر أمام فريق الفتح الذي لم يجد وسيلة لكبح اندفاع مضيفه.

هنا يكمن السؤال الأعمق الذي يستحق أن يُطرح بعيدًا عن سكرة النتيجة: هل كان غياب رونالدو نعمة مقنّعة؟ الإجابة المتسرعة قد تقول نعم، فالفريق سجل ثلاثية دون الحاجة إلى الاعتماد على "المُنقذ" المعتاد. لكن القراءة الأكثر إنصافًا تقول إن هذا الفوز لم يكن ليُقرأ بمعزل عن رونالدو، بل بالتوازي معه؛ فهو الذي صنع، بحضوره وغيابه معًا، مناخًا من الجدية الإدارية والفنية دفع اللاعبين المحيطين به إلى الارتقاء بمستواهم، سواء بوجوده على أرض الملعب أو بغيابه عنها كمشاهد يراقب من قرب.

من الناحية التكتيكية، بدا واضحًا أن الجهاز الفني للنصر اختار نهجًا هجوميًا مباشرًا استغل السرعة في الأطراف والعمق خلف خط دفاع الفتح، الذي بدا مرتبكًا في إدارة الكرات العرضية الأولى للمباراة. وبمجرد أن سقط الهدفان الأول والثاني في غضون ثلاث دقائق فقط قبيل الاستراحة، تحوّل اللقاء إلى مجرد إدارة نتيجة، وهو اختبار مختلف تمامًا عن اختبار الهجوم، نجح فيه النصر أيضًا حين أضاف الهدف الثالث في الشوط الثاني بدلًا من التراخي.

بهذا الفوز، يضع النصر أول ثلاث نقاط في خزينته دفاعًا عن لقبه، ويرسل رسالة مبكرة لمنافسيه في الدوري السعودي، وعلى رأسهم الهلال، بأن غياب النجم الأكبر لن يكون عذرًا ولا عائقًا. أما الفتح، فيغادر الرياض بخسارة ثقيلة، لكن مباراته لم تكن كارثية بقدر ما كانت كاشفة لفارق الجاهزية البدنية والذهنية بين الفريقين في مستهل الموسم.

الطريق لا يمنح فرصة للراحة. الثلاثاء المقبل، يخوض النصر مواجهة الدرعية في الدور الأول من كأس خادم الحرمين الشريفين، في اختبار جديد سيكشف ما إذا كان رونالدو سيعود إلى التشكيلة الأساسية أم سيُمنح مزيدًا من الوقت لاستعادة كامل لياقته. وفي اليوم التالي، يحاول الفتح تضميد جراحه أمام العلا في المرحلة ذاتها من البطولة.

المشهد الذي سيبقى عالقًا في الأذهان ليس أيًا من الأهداف الثلاثة، بل تلك اللقطة الصامتة لرونالدو في المدرجات، يصفق لزملائه بينما يعيد حساباته الشخصية بهدوء. فالبطل الذي اعتاد أن يكون مركز كل حكاية، وجد نفسه هذه المرة في موقع الراوي لا البطل، يراقب فصلًا جديدًا من مسيرة ناديه يُكتب من دونه، تمهيدًا لعودة يعرف الجميع أنها ستكون، عاجلًا أم آجلًا، حاسمة.

د. طلال عثمان، دكتوراه في الإعلام الرياضي، متخصص في تحليل الصحافة الرياضية وتغطية البطولات الكبرى.